في الساحل السوري بيتٌ ليس لي.. لكنه وطني

لي في الساحل السوري منزل وأهل، ونافذة تطلّ على البحر، وذكريات عابقة برائحة الملح والزعتر، وشجرة زيتون تهدهد الريح، وشجرة ليمون تئنّ من ثقل الثمار. لي في الحواكير أسماء أصدقاء تناديني بحب، وفي الحارات أبواب تُفتح دون استئذان، وكراسٍ تُسحب دون دعوة، وأكوابُ متة تُصبّ وكأنني واحدٌ منهم، فأقول لهم “ع راسي والله بس أنا من جماعة الشاي”

بين زيتونة تظلّل المارّة وليمونة تنحني ثمارها للضيوف، عرفت دفء الأهل وكأن النسب مجرد تفصيل زائد في صلة القلوب ، وجدت الوطن ممتدًا في الوجوه التي لا تسألني من أين جئت، بل تسألني: هل شبعت؟ هل ارتحت؟ هل ستعود غدًا؟

سلاماً أيتها البلاد التي يشتدّ وجعها كلّما ناديناها، والتي كلّما ازددنا حباً لها ازدادت نزفاً في قلوبنا..

لا عصافير في سمائنا تغني صباحاتنا، الهواء مشبع بالخوف، الأرض موحلة بالخيانة، والموت يمرّ بنا كما تمرّ الريح في الحقول المهجورة..

من تحتنا رماد، ومن فوقنا رماد، ومن حولنا رماد، ومن داخلنا رماد.. ونحن نحاول أن نصدق أن في الرماد حياة!

سلاماً أيتها البلاد التي كلما غرزنا فيها جذورنا، انتزعونا منها كأننا خطيئة، وكأننا عبءٌ على تربتها التي صنعت منا كلّ هذا الحنين.

هاجرنا منها، ولم تغادرنا.. حملناها معنا في حقائبنا، وفي تجاعيد أرواحنا، وفي لهجاتنا المنفية، في أعيننا كلما رأينا لوناً يشبه ترابها، وكلما لمحنا ظلّاً يذكّرنا بشمسها الحارقة.

لم نفعل كما تفعل الجبال حين تتصدع لتولد منها الأنهار، ولم نفعل كما تفعل الطيور حين تهجر مواطنها لتعود لها أقوى..

بقينا معلقين بين الخوف والأمل، بين الرحيل والبقاء، بين ما كنّا وما لم نعد نكون.

أنا من القامشلي، ابن الأرض الممتدة مثل صدر أمٍّ تحتضن أبناءها دون أن تسألهم إلى أين مضوا. أنا ابن الحقول التي تتمايل على وقع المواويل، وابن الأزقة التي لا تزال تحفظ وقع أقدام الطفولة. وحين يسألني الغريب عن هويتي، أقول: لي في الساحل بيتٌ وأهل، ولي في القامشلي جذورٌ تضرب في الأرض كما تضرب الأمواج الصخور، لا تقتلعها الريح ولا ينساها المطر.

لا نجاة لأحد وحده، فالريح لا ترحم من وقف وحده، والموج لا يعيد من غرق منفرداً.

ستقتلعنا العواصف واحداً بعد الآخر، ستبتلعنا الغربة كما يبتلع الليل أنفاس المدن النائمة.. ثم لا شيء..

لا أحد.

 



Leave a Reply